أبو عبد الله محمد بن علي القلعي
41
تهذيب الرياسة وترتيب السياسة
ويبدو أنّ الجندي استقى ترجمته للإمام من أفواه الرواة وفقهاء تلك الناحية وهو يذكر ذلك بأوضح عبارة إذ يقول : ( أخبرني شيخ قديم من أهل تلك الناحية وأهل الفقه بها قال سمعت قدماء بلادنا يذكرون أن هذا الفقيه قدم عليهم من الحجّ إلى مرباط ) « 1 » . وبذلك تكون ترجمة الجندي أقدم ترجمة معروفة للإمام القلعيّ وهي لم تعرض لشيء من حياة الإمام الشخصية والعلمية قبل قدومه إلى مرباط « 2 » ، ولم يذكر لنا أيضا تاريخ هذا القدوم ولا في أي سنة كان ولكن يبدو أنه كان قبل سنة 585 ه لأنه يذكر أن الإمام حج من مرباط وأخذ عنه بمكة . ووجدت في مقدمة كتاب الإمام القلعيّ ( اللفظ المستغرب في ألفاظ المهذب ) أنه أخذ عنه بمكة سنة 585 ه واللّه أعلم هل أخذ عنه قبل قدومه إلى مرباط أو في حجته التي حجها من مرباط . وكان سبب قدومه إلى مرباط على ما ذكروا أنه بعد أن قضى حجه وأدى مناسك فرضه قدم إليها مع رفقة له تجار فدخلوا مرسى مرباط وأرسلوا فيه مركبهم وضربت للفقيه خيمة على الساحل يستريح من وعثاء السفر ودخل الآخرون إلى البندر ليبيعوا ويشتروا ويتزودوا فبلغ خبر قدوم الإمام قاضي البلد فما أن بلغه الخبر حتى خرج إليه وجماعة من أعيان مرباط وتجارها واستأذنوا عليه فرحب الإمام القلعي بهم وآنسهم وأنسوا به وسأله القاضي عن جملة مسائل فأجابه الإمام عنها أبين جواب وبعبارات صريحة مرضية فازداد اعجاب القاضي ومن معه بعلمه وفضله وحسن خلقه وورعه وسألوه أن يسكن معهم فهم في أمس الحاجة إلى علمه فالفقه بتلك الناحية قليل والوارد إليها من العلماء قليل أيضا وشرطوا له مبالغة في رغبتهم به ألا يدعوه يحتاج إلى
--> ( 1 ) السلوك في طبقات العلماء والملوك ، ج 2 ص 210 . ( 2 ) مرباط بكسر الميم وسكون الراء وفتح الباء ثم طاء مهملة ، مدينة قديمة على الساحل ، كان فيها مرسى جيد ، كثر ذكره على أفواه التجار ، والمخرب لها أحمد بن محمد الحبوضي ، معجم البلدان ، ج 5 ص 97 .